ظاهرة ستندال:هل يمكن للوحة أن تبتلعك؟
تخيّل معي أنك ترى لوحة رائعة بعينيك، تتأملها بعمق، فجأة ترى المكان من حولك يتلاشى، يختفي المشهد الحقيقي ويتسرّب مشهد اللوحة إلى الواقع، ترى نفسك تقتحم اللوحة أو اللوحة تقتحمك، تدوخ، تفقد السيطرة على نفسك من شدّة الدهشة والتأثر باللوحة.
أن ترى مشهدًا للجبال والثلوج، فتجد جسدك يرتجف بردًا وكأنك فعلًا فوق قمّة ذلك الجبل.
أن تسمع صراخًا عاليًا يصمّ أذنيك عندما تقع عيناك على لوحة “الصرخة” لإدوارد مونش..
أو أن تنظر لإحدى لوحات رحلة دانتي وفيرجل في الجحيم، فتبدأ بسماع الصرخات اليائسة، وترى النفوس القديمة المُعذبة، تصرخ كلٌ منها طالبةً الموتة الثانية.
💡
هذه اللحظة البصرية تختصر ما يُعرف بـ متلازمة ستندال — وهي حالة نفسية حقيقية تحدث لبعض الأشخاص عند مواجهتهم لأعمال فنيّة شديدة التأثير، فيُصابون بالدوار، أو الهلوسة، أو حتى الإغماء.
سُمّيت بهذا الاسم نسبةً إلى الكاتب الفرنسي الشهير ستندال.
السبب أنّه في رحلته إلى فلورنسا عام 1817، وصف في كتابه روما، نابولي وفلورنسا شعوره أمام روائع الفن هناك (خصوصًا في كنيسة الصليب المقدس). أصيب حينها بدوار، وتسارع في ضربات القلب، وارتباك شديد لمجرد وقوفه أمام جمال الفن والإبداع الإيطالي.
كنت في نوعٍ من النشوة الناتجة عن فكرة أنني أقف في فلورنسا، قريب جدًا من عظمة الفن… لقد فقدت إحساسي بالوجود، كنت أخشى أن أسقط.
— ستندال، روما، نابولي وفلورنسا (1817)
تعرّفتُ على مصطلح “ظاهرة ستندال” عند مشاهدتي لفيلم La Sindrome di Stendhal.
في أحد مشاهد الفيلم تحدث لحظة لا تُنسى، يبدأ المشهد بهدوء، البطلة تمشي في ممرات المتحف، تتأمل اللوحات، تتوقف فجأة أمام لوحة بعينها… ثم يحدث ما هو غير متوقّع: تدخل داخل اللوحة.
تمرّ من سطحها كما لو أنه ماء، وتصبح جزءًا منها. تمشي في عالم اللوحة، وتذوب فيه دون أن تشعر.
وفي مشهد آخر تتمشّى أيضًا في المتحف، فتبدأ بسماع ضجيج وكأن أشخاص اللوحات يخاطبونها شخصيًا، تنظر إلى لوحة عن الحرب فتسمع صليل السيوف، صراخ الجرحى والقتال، وكأنها تعيش الحدث حقيقةً.
في تلك اللحظة، لا تعود اللوحة مجرّد عمل فنّي، بل تتحوّل إلى عالم له زمنه الخاص… عالم لا يُمكن الخروج منه بسهولة.
نحن لا نحبّ اللوحات فقط لأننا نراها جميلة… بل لأننا نرى أنفسنا داخلها.
بعض اللوحات لا تُشاهَد، بل تُسكَن.
كم مرّة شعرتَ بأنك تريد الدخول داخل لوحة؟
أن تعيش فيها؟ أن تختبئ في الظلال، أو تسكن لحظةً رسمها شخص مجهول منذ قرون؟







