رسالة قبل النهاية
إليكِ قبل النهاية
إليك حبيبتي، أخطّ رسالتي
كم مضى من الوقت منذ التقت فيه عينانا؟ سنة؟ سنتان؟ أم عشرة؟
فقدت الإحساس بالزمن، عندما تكونين محاصرة بكل هذا الموت والدمار، تفقدين حتى الإحساس بوجودك. قبل أن أذهب للحرب، كنت قنبلة من الحماس، أردت أن أختبر الشعور، أن أفهم ما معنى أن تكون وسط الحرب، أن تدافع عن وطنك، عن مبدئك، عن أهلك وأرضك. والآن، بدأت أتساءل: ما معنى هذا كله؟ ما معنى الحرب؟ ولماذا أنا هنا؟ لماذا يحاول الجميع قتل الجميع؟ من الآخر؟ ومن نحن؟
حبيبتي، أشتاق إليكِ. أرجوكِ، ابعثي صورة حديثة لكِ مع رسالتك القادمة. فقدت الصورة القديمة، ولا تغضبي مني، فهناك سبب وجيه لفقداني لها. كنت في وسط المعركة، طلقات الرصاص تترامى من فوقي، أصوات القنابل تعلو في كل دقيقة تمر وتقترب مني، كنت مضطجعًا على الأرض، أصابعي عاجزة عن رفع السلاح، لكنها ظلت ممسكة بصورتك. أردت أن أرفعها، حقًا أردت ذلك، أن أنظر إليكِ للمرة الأخيرة. شعرت بالموت يقترب، أسمع خطواته تأتي من جهة اليسار، جهة العدو.. من العدو؟ ولماذا صنفناهم أعداء؟ هم مثلي ومثلك، بشر يدافعون عن وطنهم وأرضهم. ما الوطن؟ أليست الأرض للجميع؟
ظللت مضطجعًا لفترة من الزمن… ليست بالطويلة، لكن حتى الثواني القليلة في الحرب تمر كسنوات. بيدي الأخرى كنت ممسكًا بالتربة تحتّي، بالأرض التي ذاقت طعم دماء الكثير، الأرض التي مات من مات دفاعًا عنها. شعرت بصلابتها تحت أصابعي، والدماء تغطي يدي، والهواء يضرب وجهي من كل حدب وصوب. فجأة شعرت أنني حي، أنني موجود الآن وفي اللحظة هذه. رميت كل شيء كنت ممسكًا به، وبلحظة سريعة وقفت، ممسكًا سلاحي بيد، وباليد الأخرى قنبلة، وركضت. ظللت أركض وأركض، وآخر ما أتذكره أنني فتحت عيني ووجدت نفسي في المعسكر.
أسف، ظلت صورتك هناك.
أشتاق لكِ كل يوم. أريد العودة إليكِ. لا معنى للحرب ولا للموت. كيف يموت إنسان وفي حياته حبيبة تنتظره؟ لماذا يذهب للحرب، ألم يكن من الأجدر أن يكون بجانب حبيبته، حيث وجوده أهم وأسمى؟ أليس واجبه تجاه أحبائه أعظم؟
فقدت مبادئي، وغادرني حماسي كما تغادر الروح الجسد. أشعر أحيانًا أن روحي بقيت هناك، مضطجعة على الأرض، وبقي جسدي فقط، يحمل سلاحًا ويدافع… عن من؟ لا أعلم. جسد وسلاح يقتل… يقتل من؟ البشر، البشر المختلفين عنا.
جسدي يشتاق لجسدك، أما زالت لديكِ روح؟
أريد العودة، أشعر بالنهاية تقترب، أرى الموت في كل زوايا المعسكر وأينما ذهبت، لا أريد الموت حبيبتي، وإن كان لابد أن يجيء الموت، فليأتِ بين يديك، بين ذراعيك، وأغمض عيني وأنا أعلم أن آخر شيء سأراه في هذا العالم هو وجهك.
إليكِ، حبيبتي.


كلماتك مؤلمة وصادقة… الحرب تسرق منّا المعنى، لكن الحب يعيد لنا الحياة. ابقَ متمسكًا بمن تحب، فهذا أعظم انتصار
الحب في حد ذاته حرب