اللوحة التي تركتها أمي
لو يوجد شيء أريد الكتابة عنه، فسيكون بالتأكيد اللوحة القديمة التي اختارتها أمي وعلّقتها في بيتنا.
رحلت أمي، وبقيت اللوحة كتذكار.
تُذكرني دائمًا أنها متواجدة هنا بفضل أمي التي رحلت عنّا جميعًا.
في قلب بيتنا القديم، تعلّقت لوحة اختارتها أمي، رحمها الله، في زمن قديم انقضى ومضى.
لم تكن لوحة عادية صامتة، بل كانت من النوع المتحرّك الذي إذا وصلته بالكهرباء، يبدأ المنظر الذي باللوحة بالحركة، وتبدأ الأصوات تشتغل، وكأن الرسمة التي بالداخل تستيقظ للحياة.
فقدتُ أمي وأنا طفلة صغيرة، لذلك لم تسنح لي الفرصة أن أسألها: لماذا اختارت هذه اللوحة بالذات؟
كنت دائمًا أتأملها وأتساءل في صمتي:
لماذا أحبتها أمي وعلّقتها في وسط البيت؟
شلال متساقط في وسط غابة، منظر للأشجار، غيوم، وأجواء ساحرة!
هذا ما كانت تحتويه اللوحة، ولك أن تتخيل روعة المنظر في حال تم وصلها بالكهرباء وبدأت الحياة تدبّ في اللوحة!
فالشلال الصامت الثابت يبدأ يتساقط بغزارة، وصوت ارتطامه المهيب بالأرض، وأصوات تلامس الأشجار، وأصوات تغريد العصافير المحلّقة فوق الأشجار، كل شيء كان ساحرًا وحقيقيًا.
أتذكّر كيف كنت أقف أمامها بحجمي الصغير وخيالي الواسع.
أنظر لها بوجهي الصامت، وعيناي اللامعتان البريئتان، وأتخيّل حجمي يتقلّص لدرجة يتّسع لدخول اللوحة.
كنت أهرب من واقع الحياة، وأتوقّف أمامها لساعات طويلة، أنسى فيها محيطي، وأمحو حدود المنطق والواقع، وأحلّق بخيالي حيث كنت أرى نفسي أتجوّل هناك… بالداخل.
أتنقّل بنفسي إلى داخل اللوحة، أتمشّى تحت الأشجار، أستمع وألعب مع العصافير، ألمس الشلال وأشرب من مائه المتدفق…
حتى إنني كنت، في بعض المرّات، أتخيّلني أسبح فيه، وجسدي كلّه ينتفض من البرد!
نعم، كان خيالي قويًا وحقيقيًا إلى هذه الدرجة.
لطالما استهوتني الفكرة… فكرة الهروب إلى مكان بعيد، وخالٍ من الجميع، إلا منّي ومن العصافير.
عندما كنت أقف أمامها، أشعر كأنني لست في البيت، بل كأنني حقًا في مكان وزمان آخر.
ولم يكن الأمر يتوقّف عند ذلك الحد.
فاللوحة كانت تطاردني في أحلامي: الشلال نفسه، والأشجار، وأصوات العصافير بكل تفاصيلها.
كلما أغمضتُ عيني، يرسم عقلي المكان بالكامل، كما في اللوحة، وأبدأ رحلتي المدهشة داخلها.
أضيع فيها… بكل سعادة.
ربما هذا سبب تكرار حلم أنني أضلّ طريق المنزل وأنا كبيرة؟
ربما لأن اللوحة اختفت من البيت منذ زمن، لذلك حتى طريق العودة للمنزل اختفى معها.
ولا زلت أفكّر إلى الآن:
لماذا اختارت أمي هذه اللوحة؟
ولماذا اختارت هذا المنظر بالذات؟
قد يكون الجواب في حبّها للطبيعة والجمال، أو ربما كانت ترغب في أن تأخذنا في رحلة خيالية، وأن تذكّرنا أنه يمكننا الهروب إلى عوالمنا الخيالية في أي وقت.
كبرتُ أنا، واختفت اللوحة من البيت.
لكن عقلي الكبير، والطفلة التي بداخلي… لا تزال تحنّ لذلك الشلال.

